محمد أبو زهرة
339
المعجزة الكبرى القرآن
ولهذا التشابه بين السرقة والحرابة قالوا : إن الحرابة هي السرقة الكبرى وتلك التسمية صحيحة ، وإن كان معها جرائم القتل . وقد يقول الذين يرحمون المجرم ، ولا يرحمون الآمن معترضين على ذلك متعللين بأمرين : أحدهما - أن العقوبة ليست متكافئة مع الجريمة مهما يكن نصاب السرقة ، فهل تقطع يد في سرقة عشرة دراهم أو ربع دينار كما قال الإمام مالك . ويرددون قول أبى العلاء . يد بخمس مئين عسجد وديت * ما بالها قطعت في ربع دينار والثاني - أن العقوبة في ذاتها غليظة تكثر من المشوهين الذين تقذى الأعين برؤيتهم . ونجيب عن الأمرين ، فنقول في الإجابة عن الأمر الأول ، إنه ليس التساوي بين العقوبة في الحدود بين الفعل والعقاب ، إنما التساوي بين العقاب ، وآثار الجريمة ، فبالنسبة للسرقة لا يكون التساوي بين المال الذي سرق ، وبين قطع اليد ، إنما ينظر إلى الإفزاع وإزعاج الآمنين في سرقة تقع في حي أو قرية ، فكم من حراس يقومون ، وكم من مغالق يحترس بها من السارقين ، فجريمة السرقة ليست آثارها واقعة فقط على المسروق منه بل تتعداه إلى كل من يكونون معه في الحياة . والجواب عن الأمر الثاني أن هذه العقوبة لا تقع إلا إذا كان التكرار إذ إنه إذا سرق ابتداء وتاب وأصلح ، ولم يعد يسرق ، فلا تقطع يده . وإن قطع يد واحدة تمنع السرقة ، فلا يكون ثمة من بعد ما يوجب القطع ، وهناك دولة عربية تقيم حد السرقة ، لا تقطع في العام يدا أو اثنتين فالقطع يمنع سبب القطع . وفوق ذلك ، فإن القطع لا يكون إلا حيث تنتفى الشبهات ، فالشبهات تسقط الحدود ، وإن عدد السرقات التي تنتفى فيها الشبهات ، ويجب فيها الحد يقدر بنحو خمسة في الألف من السرقات التي تقع ، ومن الشبهات التي اعتبرها السلف أن يكون السارق في حال جوع أو مظنة جوع ، كأن يكون ثمة مجاعة ، فإنه لا يقام الحد للشبهة ، كما فعل الإمام عمر عام المجاعة . وعلى الذي يستغلظون عقوبة السرقة في الحدود التي بينا أن يبينوا لنا كم من السرقات قطعت فيها أيدي نساء ورجال لأجل الوصول إلى غاية السارق ، وكم من النفوس أزهقت في السرقات بالإكراه أو في إخفاء الجريمة وعدم معرفتها .